الصياد
07-22-2018, 04:59 AM
ومتى نبلغ المنتهى .. السرآب^الصياد
من كتاب " علم نفس قرآني جديد " لمصطفى محمود ..
كانا يتمشيان على النيل.. و الشمس تغيب في الأفق.. و النسيم يداعب أغصان الشجر , قال و هو يمسك يدها في حب:أتعرفين ماذا تحت قدمك الآن؟
قالت: ماذا تعني؟؟
قال: أتعرفين على أي شيء تقفين؟... إن تحت قدمك الصغيرة هذه أربع مدن و ثمانية عصور, عصرًا رومانيًا و عصرًا فاطميًا و عصرًا مملوكيًا و عصرًا تركيًا و عصرًا قبطيًا و عصرًا إسلاميًا و عصرًا فرعونيًا و عصرًا حجريًا. أكاد أرى المواكب تخرج في أبهتها و دروعها.... و أكاد أسمع صهيل الخيل، و جلجلة السلاح أكاد أرى الدم يسيل و الناس تختصم و تتصارع و تتزوج و تتاجر و تهاجر.. أكاد أرى الدموع تلمع على خدود ما تلبث أن تغدو تراباً، و أكاد أرى نظرات الغرور ما تلبث أن تأكلها الديدان. و المنتصر يرقد إلى جوار المهزوم، و القاتل يتمدد إلى جوار قتيله، و الهاجر الغادر ما يلبث أن يسحب عليه الزمن ستار الهجر فيغدو مهجورًا هو الآخر لا حس و لا خبر و لا أثر... أين ذهب الغضب؟؟ .. أين ذهب الجنون؟؟ .. أين رقد اليأس؟ أين نامت الفتن؟.. ماذا بقي من هذه النيران المشتعلة في الصدور؟
قالت له و هي ساهمة تنظر إلى التراب تحت قدميها: ترى هل يبقى شيء من حبنا؟ أم أننا ماضون نحن أيضاً إلى لاشيء؟
قال ضاحكًا: في عصر السرعة الذي نعيشه يكاد يكون الحب فستاناً تتعلقُ به الفتاة لمدى لبسة واحدة .. ثم بعد ذلك تتغير الموضة. قالت: هل هذا رأيك؟ قال: هذا حال أكثرُ الناس
قالت: وهل نحن من أكثر الناس؟ قال: كلُّ الذين تحت قدمكِ قد أقسموا- و هم يبكون- أن مابينهما كان شيئاً خاصاً نادراً ليس له مثيل
قالت: ألم يَصْدُقْ بعضهم؟ قال: نعم، أقل القليل .. الذين استودَعوا عند الله شيئًا. فالله وحده هو الذي يحفظ الودائع. و أردف و هو ينظر إلى السماء: الذين أحبوا بعضهم فيه .. و نظروا إلى بعضهم في مرآته .. الذين أفشوه أسرارهم.. وأسلموه اختيارهم.. فأصبح هو مرادهم.. هؤلاء أهله.. الذين هم إليه و ليسوا للتراب
قالت و هي ما زالت على شرودها تنظر في عينيه: و أين نحن من هؤلاء؟
قال و هو مازال ينظر إلى السماء: الكل يدَّعي أنه من هؤلاء.. لكن الزمن هو وحده الذي يكشف صِدق الدعوى! .. و لهذا خلق الله الدنيا، ليتميز أهل الدعاوى من أهل الحق. قالت: ألا ترى نفسك مُخلِصاً؟
قال: لست من الغرور بحيث أسبق الزمن إلى الحكم فما أكثر ما يُخدع الإنسان في نفسه.. و ما أكثر ما يُستدرج إلى ثقة في النفس مبالغ فيها ثم يأتي الزمن فيكذبه على لسانه، ثم أردف: الإخلاص، هو أخفى الخفايا و هو سر لا يطلع عليه إلا الله. و نحن نأتي به إلى الدنيا أو نأتي بدونه و لا يعلم سرنا إلا خالقنا. قالت و يدها ترتجف في يده: إني خائفة. قال و هو يمشى الهوينى: و أنا أعيش هذا الخوف الجميل.... خوف يدعونا و يدفعنا إلى إحسان العمل.. خوف لا يوجد إلا عند الأتقياء؛ لأنه خوف يحمي صاحبه من الغرور... ألم يقل أبو بكر الصديق: مازلتُ أبيت على الخوف و أصحو على الخوف، حتى لو رأيت إحدى قدمي تدخل الجنة فإني أظل خائفاً حتى أرى الثانية تدخل.. فلا يأمن مكر الله إلا القوم الضالون.
قالت: و لماذا يمكر الله بنا؟
قال: مكر الله ليس كمكرنا.. فنحن نمكر لنخفي الحقيقة, أما الله فيمكر ليظهرها و هو يمكر بالمدعي، حتى يُظهره على حقيقة نفسه، فهو خير الماكرين.
قالت: ألا توجد راحة؟
قال: ليس دون المنتهى راحة.
قالت: و متى نبلغ المنتهى؟
قال: عنده
(وَ أَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ) النجم 42"
من كتاب " علم نفس قرآني جديد " لمصطفى محمود ..
كانا يتمشيان على النيل.. و الشمس تغيب في الأفق.. و النسيم يداعب أغصان الشجر , قال و هو يمسك يدها في حب:أتعرفين ماذا تحت قدمك الآن؟
قالت: ماذا تعني؟؟
قال: أتعرفين على أي شيء تقفين؟... إن تحت قدمك الصغيرة هذه أربع مدن و ثمانية عصور, عصرًا رومانيًا و عصرًا فاطميًا و عصرًا مملوكيًا و عصرًا تركيًا و عصرًا قبطيًا و عصرًا إسلاميًا و عصرًا فرعونيًا و عصرًا حجريًا. أكاد أرى المواكب تخرج في أبهتها و دروعها.... و أكاد أسمع صهيل الخيل، و جلجلة السلاح أكاد أرى الدم يسيل و الناس تختصم و تتصارع و تتزوج و تتاجر و تهاجر.. أكاد أرى الدموع تلمع على خدود ما تلبث أن تغدو تراباً، و أكاد أرى نظرات الغرور ما تلبث أن تأكلها الديدان. و المنتصر يرقد إلى جوار المهزوم، و القاتل يتمدد إلى جوار قتيله، و الهاجر الغادر ما يلبث أن يسحب عليه الزمن ستار الهجر فيغدو مهجورًا هو الآخر لا حس و لا خبر و لا أثر... أين ذهب الغضب؟؟ .. أين ذهب الجنون؟؟ .. أين رقد اليأس؟ أين نامت الفتن؟.. ماذا بقي من هذه النيران المشتعلة في الصدور؟
قالت له و هي ساهمة تنظر إلى التراب تحت قدميها: ترى هل يبقى شيء من حبنا؟ أم أننا ماضون نحن أيضاً إلى لاشيء؟
قال ضاحكًا: في عصر السرعة الذي نعيشه يكاد يكون الحب فستاناً تتعلقُ به الفتاة لمدى لبسة واحدة .. ثم بعد ذلك تتغير الموضة. قالت: هل هذا رأيك؟ قال: هذا حال أكثرُ الناس
قالت: وهل نحن من أكثر الناس؟ قال: كلُّ الذين تحت قدمكِ قد أقسموا- و هم يبكون- أن مابينهما كان شيئاً خاصاً نادراً ليس له مثيل
قالت: ألم يَصْدُقْ بعضهم؟ قال: نعم، أقل القليل .. الذين استودَعوا عند الله شيئًا. فالله وحده هو الذي يحفظ الودائع. و أردف و هو ينظر إلى السماء: الذين أحبوا بعضهم فيه .. و نظروا إلى بعضهم في مرآته .. الذين أفشوه أسرارهم.. وأسلموه اختيارهم.. فأصبح هو مرادهم.. هؤلاء أهله.. الذين هم إليه و ليسوا للتراب
قالت و هي ما زالت على شرودها تنظر في عينيه: و أين نحن من هؤلاء؟
قال و هو مازال ينظر إلى السماء: الكل يدَّعي أنه من هؤلاء.. لكن الزمن هو وحده الذي يكشف صِدق الدعوى! .. و لهذا خلق الله الدنيا، ليتميز أهل الدعاوى من أهل الحق. قالت: ألا ترى نفسك مُخلِصاً؟
قال: لست من الغرور بحيث أسبق الزمن إلى الحكم فما أكثر ما يُخدع الإنسان في نفسه.. و ما أكثر ما يُستدرج إلى ثقة في النفس مبالغ فيها ثم يأتي الزمن فيكذبه على لسانه، ثم أردف: الإخلاص، هو أخفى الخفايا و هو سر لا يطلع عليه إلا الله. و نحن نأتي به إلى الدنيا أو نأتي بدونه و لا يعلم سرنا إلا خالقنا. قالت و يدها ترتجف في يده: إني خائفة. قال و هو يمشى الهوينى: و أنا أعيش هذا الخوف الجميل.... خوف يدعونا و يدفعنا إلى إحسان العمل.. خوف لا يوجد إلا عند الأتقياء؛ لأنه خوف يحمي صاحبه من الغرور... ألم يقل أبو بكر الصديق: مازلتُ أبيت على الخوف و أصحو على الخوف، حتى لو رأيت إحدى قدمي تدخل الجنة فإني أظل خائفاً حتى أرى الثانية تدخل.. فلا يأمن مكر الله إلا القوم الضالون.
قالت: و لماذا يمكر الله بنا؟
قال: مكر الله ليس كمكرنا.. فنحن نمكر لنخفي الحقيقة, أما الله فيمكر ليظهرها و هو يمكر بالمدعي، حتى يُظهره على حقيقة نفسه، فهو خير الماكرين.
قالت: ألا توجد راحة؟
قال: ليس دون المنتهى راحة.
قالت: و متى نبلغ المنتهى؟
قال: عنده
(وَ أَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ) النجم 42"